حيدر حب الله

219

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

وعليه ، فمن الممكن أن نجعل علم تاريخ الرواة منتمياً إلى دائرة التاريخ ، وما ذلك إلا لأجل أنّ كيفيّة التصنيف المتقدّمة تؤكّد أنّ العقليّة السنّية في تعاطيها وتعاملها مع كتب الرجال ، كانت عقليّةً تنظر إلى علم الرجال على أنّه علم تاريخ الرواة . ولتقريب الصورة في ذلك ، يمكننا أن نستعرض هنا عدداً من الأمثلة البارزة التي يمكن أن تكون خير عون في التدليل على ذلك ، فهناك عددٌ من أسماء كتب الرجال السنّية اطلق عليها أساساً اسم ( تاريخ ) ، كالتاريخ الصغير للبخاري ، وهو من أهم مصادر علم الرجال ، والتاريخ الكبير له أيضاً ، وتاريخ ابن أبي خيثمة ، فهذه الكتب ليست كتب تاريخ حولي ، بل هي كتب رجال ، وهذا يدلّ على أنّ انتماء علم الرجال في وعيهم إلى علم التاريخ كان أقوى وأوضح . الاتجاه الثاني : ويؤمن بأنّ علم الرجال إنّما هو من فروع علوم الحديث ، ومن الشواهد التي يقرّب بها ذلك ، هو أنّنا نرى أنّ المحدّثين يقسّمون نفس الحديث إلى قسمين : سند الحديث ومتنه ، فكلّ شيء يتعلّق بمتن الحديث مما يرجع إلى فقهه وفهمه ، كعلم مختلف الحديث ، وعلم غريب الحديث ، أو ناسخ الحديث ومنسوخه . . فهو مما له علاقة بفقه الحديث والمتن ، وكلّ شيء يرجع إلى سلسلة سند الحديث ، من ناحية البحث عن الإرسال ، وسلامة السند أو خلوّه عن الانقطاع ، أو توفّره على ثغرةٍ ما توجب الضعف والسقوط فيه ، فذلك مما يتكفّله علم الرجال ، حيث يكشف بدوره عن ثبوت كلّ واحدة من الأحكام المتقدّمة ، ومن ثمّ الحكم لصالح السند بالضعف أو بالصحّة . ومما يعزّز صحّة هذه الفرضيّة - وهي مشهورة - أنّنا لو أخذنا بنظر الاعتبار الغاية التي من أجلها بدأت تتشكّل بواكير علم الرجال في ذلك الوقت ، والسبب في نشوئه ، لرأينا أنّها كانت التثبّت في نقل الحديث ، حيث كثر الكذّابة على الرسول الأعظم ، وعمّت الفوضى في عمليّة النقل ، فلم يكن أمامهم في سبيل ضبط الأمور وخلق التوازن إلا هذا الطريق ، وعليه فالمبرّرات التاريخيّة لظهور علم الرجال ، سنجدها تؤكّد على أنّه نشأ من رحم الاهتمام بالأحاديث ، ولولا وجود الحديث النبوي لربما ما اهتمّوا بعلم الرجال بهذه